ابن عربي
97
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
عجبت من بحر بلا ساحل * وساحل ليس له بحر وصبحة ليس لها ظلمة * وليلة ليس لها فجر وكرة ليس لها موضع * يعرفها الجاهل والحير وقبّة خضراء منصوبة * جارية مركزها العمر من خطب الحسناء في خدرها * متيّما لم يغله المهر أعطيتها المهر وأنكحتها * في ليلة حتّى دنى الفجر فالشّمس قد أدرج في ضوئها * القمر السّاطع والزّهر فقد رمزنا في الصفات أمرا يعجز عنه ، ولا يصل إليه أحد إلّا ما قدّر منه ، فإن الموج والغبار بالامتزاج يزيد النار . لغزت أمورا إن تحقّقت يسرّها * فذلك علم ربّك النّافع غطس الغاطس ليخرج ياقوتها الأحمر في صدفة الأزهر ، فيخرج من بعد ذلك البحر صفر اليدين ، مكسور الجناحين ، مكفوف العين ، أخرس لا ينطق ، مبهوت لا يعقل ، فسئل بعد ما رجع إليه النّفس ، وخرج من سدفة الغلس . فقيل له : ما رأيت ، وما هذا الذي أصابك ؟ فقال : هيهات لما تطلبون ، وبعدا لما ترومون ، واللّه لا ناله أحد ، ولا تضمن معرفته روح ولا جسد ، وهو العزيز الذي لا يدرك ، والموجود الذي لا يهلك ولا يملك ، وإذا حارت العقول وطاشت الألباب في تلقي صفاته هذا مقام الأنبياء ، ومنزل الأمناء ، وحضرة البلغاء وكل واحد من الواصلين إليه على قدر علمه ، وقوة عزمه . فما كان شملهم المقام وعمّ ، فمنهم التامّ الأتم ، فإنه من يقف على هذا العلم ، ولا مقام لهذا الحكم ، يروم ما لا يحصل له وذلك لما ذهل عنه وجهله وكفاك أن تعلم وهذا غاية العجز . قل للباحث على ما لا يصل إليه ، والطالب فوق ما يبتغيه : هل يعرف من الحق غير ما أوجده فيه ؟ ثم قال للعارف : أخرنا على المريد بالتعلّق ، وعلى اللّه الإيجاد والتخلق ، ولو فتحنا عليك بابا لوسعها ، والتجأ بعضها إلى بعض لرأيت أمرا يهولك شطره ، ويطيب لك خيره وخبره ولكن فيما ذكرناه تنبيها على ما سكتنا عنه وتركناه ، وصيّره الحق سبحانه وتعالى ، فزانه صبره ، وهو موضوع نفوذ أمره إلّا منه وهو حجاب تجليه ، وترقي تدلّيه ، ثم نظر طالبا أين موضع قدميه ؟ وأين موضع نعليه ؟